الشيخ محمد رشيد رضا

8

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

غرارا كالافراد ، تلدغ من الجحر الواحد مرتين بل عدة مرار ، فاعتبروا يا أولي الابصار ( وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ ) أي ولو شاء ربك أيها الرسول أن لا يفعلوا هذا الايحاء الغار ما فعلوه ولكنه لم يشأ أن يغير خلقهم ، أو يجبرهم على خلاف ما زينته لهم أهواؤهم ، بل شاء أن يكون كل من الانس والجن مستعدين للحق والباطل والخير والشر ، وأن يكونوا مختارين في سلوك كل من الطريقين ، كما قال في الانسان ( وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ) ومن وسوسة هؤلاء الشياطين للناس وزخرفها تحريف مثل هذه الآية الحكيمة يحملها على معنى الجبر فيقولون : إن كل عاص للّه معذور لأنه ما عصاه إلا بمشيئته التي لا يستطيع الخروج عنها . وسيأتي في هذه السورة قوله تعالى في ذلك ( سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا : لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا مِنْ شَيْءٍ . كَذلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذاقُوا بَأْسَنا . قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنا ؟ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ ) فلا عذر بمشيئة اللّه لأحد لأنه لم يشأ أن تكون أفعالهم اضطرارية بل خلقهم بمشيئته يفعلون ما يفعلون باختيارهم ويحتجون على المنكرين عليهم كثيرا بأنهم على حق ، وإذا اعترفوا بخطإ يلتمسون لأنفسهم فيه العذر ( فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ) من كذب ، ويخلقون من افك ، ليصرفوا الناس عن الحق ، واستقم كما أمرت ، فإنما عليك البلاغ ، وعلينا الحساب والجزاء ، والعاقبة للمتقين ، وسنريك سنتنا في أمثالهم بعد حين . وقد فعل عز وجل فأهلك المستهزئين بالآن الذين قيل إن السياق نزل فيهم ، ونصر اللّه عبده ، وأعز جنده ، وهكذا ينصر من ينصره ، وأما المتنازعون على الباطل ، ومجد الدنيا الزائل ، فإنما يكون الفلج بينهم بحسب سنن اللّه تعالى لاشدهم مراعاة لها في الاستعداد الحربي والاجتماعي وتخلقا بالأخلاق العالية كالصبر والثبات كما بيناه مرارا * * * ( وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ ) صغي اليه [ كرضي ] بصغى صغى وصغى اليه صغيا مال ومثله صغا يصغو صغوا . وأصغى إلى حديثه مال واستمع ، وأصغى الاناء أماله . ويقال : صغي فلان وصغوه معك - أي ميله وهواه - كما يقال ضلعه معك . والمعنى : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ليغروهم به ويخدعوهم وينشأ عن ذلك أن تصغى